منع

‏إظهار الرسائل ذات التسميات نقد الدولة العربية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات نقد الدولة العربية. إظهار كافة الرسائل

جذور الثقافة القمعية للدولة العربية [3]: الإسلام والحكام العرب




كلُّ سُلْطة مُفْسِدةٌ- أمَّا السُّلْطَةُ المُطْلقة فهي مُفْسِدةَ بصورة مُطْلقة!

في الجزء الثاني من المقال توصلنا إلى أن تصورات السلطة الشمولية للعقيدة الإسلامية هي العامل الحاسم والداخلي لظهور ثقافة السلطة المطلقة – وكل ثقافة مطلقة هي ثقافة قمع.
لكن نظام السلطة المطلقة في الإسلام (الذي بدأ بنظام الخلافة) له خصائص تميزه عن باقي أنظمة السلطة المطلقة الأخرى.
فسلطة الحكم الإسلامي تستند إلى عدة أسس هيكلية لا تقبل المساومة تحدد طابع الحكم الفردي لهويتها الأساسية:
أولاً، الإسلام دين الدولة.
وإن هذه المكانة المتميزة للإسلام ليست اختياراً. فـ"الدين عند الله هو الإسلام".
ثانياً، الإسلام هو دستور الدولة.
وهذا يعني أن الشريعة مصدر أساسي للتشريع.
ثالثاً، إن إطاعة الحاكم فرض ديني تم تشريعه في القرآن.
[للمزيد من الأفكار والتأملات راجع: محمد [1]: ثالوث الطاعة المقدس
1.
لقد تحولت هذه المنظومة من الأفكار والعقائد المتعلقة بالخليفة والإمام والولي والسلطان والأمير إلى نظام يسم مكانة الحكام المسلمين بصورة عامة والحكام العرب بصورة خاصة.
فإذا ما استثنينا "الملكيات" و"الإمارات" و"السلطنات" العربية التي تخضع بحكم القانون وبحكم الواقع إلى سلطات الخليفة الإسلامي فإن الجمهوريات العربية وبغض النظر عن دساتير هذه الجمهوريات [إن وجدت مثل هذه الدساتير]؛ وبغض النظر عن التصريحات والوثائق الرسمية؛ وبغض النظر عن وجود انتخابات برلمانية ورئاسية أو عدم وجودها: هي بحكم الواقع أنظمة خلافة كطريقة تفكير وعقلية سياسية وإجراءات وتطبيقات للقوانين. بل إنها جميعاً وبالتعبير المعاصر دول ذات حكم يستند إلى الطابع الفردي المحض!
2.
ولهذا وليس من الصدفة أن يكون النظام الغالب في الدول العربية هو الجمهورية الرئاسية. غير أن "الجمهورية الرئاسية" العربية لا تخضع إلى أي شكل من الرقابة:
فـ"البرلمان!" تحول إلى هيئة "حزبية" تابع للحزب الحاكم وتم تقليص، وفي كثير من الأحيان تقويض، المعارضة البرلمانية التي لم تعد وظيفتها غير الموافقة على مشاريع الحكومة الدستورية وقرارتها السياسية [فهي بصرياً لا تعني غير: رفع الأيدي عالياً للموافقة في التصويت].
كما تم تفريغ المحكمة الدستورية من محتواها الرقابي على شرعية القرارات والقوانين والمراسيم الصادرة من قبل الحكومة والبرلمان عن طريق تغلل ممثلو الحكومة فيها.
أما المؤسسات الرقابية الأخرى مثل هيئات الرقابة المالية فهي بيد السلطة السياسية الحاكمة.
3.
وهكذا تحول رئيس الجمهورية الذي غالباً ما يُطلق عليه "الأب القائد" و"الرئيس المؤمن" و"الأب الحنون" و"القائد الفذ" وغيرها من خزعبلات الثقافة اللغوية للسلطة العربية إلى "خليفة" معاصر. فاحتل "رئيس الجمهورية" مكانة استثنائية ولم يعد "رئيساً" منتخباً – بل "رئيساً مختاراً" من السماء ليرعى شؤون الرعية.
4.
لقد أصبحت ثقافة "الحكم الجمهوري" العربي امتداداً لثقافة حكم الخلافة الإسلامية العربية!
فالحقيقة الصَّارخة هي أنَّ الدولة العربية (مهما سُمِيَّتْ) لا تستند إلى أيِّة مشروعية سياسية؛ الدولة العربية هي دولة اغتصاب واستحواذ "زُمَر" عسكرية أو مدنية أو عائلية تسير الحكم بوسائل القمع المنظم والمخابرات، وفي بعض الأحيان عن طريق الرشوة - حين تتوفر الظروف الاقتصادية لذلك.
أمَّا الانتخابات التي تقيمها البعض منها فهي "تظاهرات" مضحكة للتعبير عن قيم "ديمقراطية" لا وجود لها في رؤوس المنظمين لها. بل أنَّ أعتى الحكومات العربية هي الأكثر ولعاً بين الجميع في إقامة الانتخابات!
فحقيقة كون "النظام الجمهوري الرئاسي" هو النظام السائد في الدول العربية الجمهورية [والاستثناء الوحيد هو لبنان – رغم أن النظام السياسي اللبناني ليس أقل سوءاً من الأنظمة العربية الأخرى] وإن أغلب الرؤساء العرب لا تنتهي مدة رئاستهم إلا بالموت بسبب الشيخوخة أو بالاغتيال أو عن طريق انقلاب كارثي على البلاد، يكشف عن حقيقة "الانتخابات العربية" وطبيعة السلطة العربية!
أما ما يتعلق بحالة الأمراء والملوك العرب فالأمر لا يختلف: فآليات التصفية الجسدية والاغتيالات والاحتراب ما بين مراكز القوى القبلية/العائلية وإبعاد بعضهم البعض عن مراكز السلطة وتولي العرش هي حقائق يعرفها القريب والبعيد.
5.
السلطة مفسدة!
هذا قانون لم يخرج عنه حاكم عربي [ولن يخرج عنه أي حاكم على الأرض. أما في الديمقراطيات الغربية فإن سلطة القانون وقوة المجتمع المدني تسهم بصورة فعالة في تحجيم مثل هذه المساعي وخنقها].
لقد ارتبطت مفاسد السلطة العربية/الإسلامية بالاستحواذ الشامل على السلطة ورفض التخلي عن جزء منها بغير وسيلة القوة المضادة. فالخليفة "ظل الله على الأرض" كما يدعي محمد وقد أصبح رئيس الجمهورية المعاصر هذا "الظل" هو الآخر!
وهذا ما جعل للسلطة العربية خصيصتين أساسيتين باقيتين حتى الآن:
- البقاء على دفة السلطة إما حتى الموت الطبيعي، أو عن طريق التصفية الجسدية من قبل الرافضين لسلطتهم. أما حالات التخلي عن السلطة برضاء الحكم فهي ظاهرة نادرة جداً في تاريخ السلطة العربية ونحن الآن شهود عيان على ما يحدث.
- وإما قتل الحكام وتصفيتهم جسدياً – سواء بخناجر المعارضين أو أفراد العائلة نفسها فهو من "الفولكلور" العربي الإسلامي.
وكما نرى كيف تحولت الدولة العربية المعاصرة إلى صورة للخلافة القروسطية ولا فرق إلا في الهيئة الخارجية قوات الحماية الاستعراضية وسيارات المرسيدس السوداء.
لقد تحول الفساد الاقتصادي وسوء استخدام السلطة وقمع الحريات الشخصية وتكميم الأفواه وإشاعة الخوف بين الناس إلى قيم أخلاقية وسياسية تباركها هيئات الفقه وسلطات اللاهوت الإسلامي [للاختصار آمل الاطلاع على ثلاثية:
6.
إلا أن تكرار نظام الخلافة بهيئة رئاسة الجمهورية لم يقتصر على ثقافة السلطة المطلقة الغاشمة فقط بل وتكررت ثقافة التصفيات الجسدية للحكام العرب الذين رفضوا في الماضي ولا يزالون يرفضون التخلي عن السلطة. فأضحت الانقلابات الدموية والتصفيات الجسدية هي الطريقة الوحيدة لتبادل السلطة!
وهكذا ففي القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين تعود عجلة القتل التي صنعتها الخلافة الإسلامية من جديد وتم تصفية الكثير من الحكام العرب وعلى أيدي عرب مسلمين:
من بين 9 ملوك ورؤساء في العراق لم ينج غير واحد فقط!
- الملك فيصل بن حسين بن علي الحسين الهاشمي، أو فيصل الأول (1883 ـ 1933) مات مسموماً.
- أما صاحب النهاية المأساوية الثاني فهو غازي بن فيصل بن الشريف حسين الهاشمي أو غازي الأول (1912 – 1939) وهو ثاني ملوك العراق، حكم من 1933 حتى 1939.
- الثالث ذو النهاية المأساوية فهو الوصي عبد الإله بن علي (1939 ـ 1958). وقد قتل عبد الإله في 14 يوليوز 1958مع العائلة المالكة.
- ورابع حاكم عراقي انتهى حكمه نهاية مأساوية هو الملك فيصل الثاني بن غازي 1939 ـ 1958. تولى الملك فيصل الثاني سلطاته الدستورية يوم 2 ماي 1953 وبقي ملكا على العراق حتى صباح يوم 14 يوليوز 1958 حيث انتهى العهد الملكي وقيام الجمهورية.
- وخامس زعيم عراقي لاقى نهاية درامية هو الزعيم عبد الكريم قاسم (1914 ـ 1963)، الذي كان رئيسا للوزراء والقائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع في العراق من 14 يوليوز 1958 وحتى 1963.
- عبد السلام عارف تم اغتياله عن طريق وضع متفجرات في الطائرة التي كان من المفروض أن تنقله من مدينة البصرة إلى بغداد في يوم 13 أبريل 1966. وقد احتل منصبه أخوه عبد الرحمن عارف – وهو الوحيد الذي لم يُقتل لأن حفاظه على حياته كان أكبر من ولعه بالسلطة!
-استأنفت عجلة الموت والقتل في العراق باغتيال أحمد حسن البكر مسموماً من قبل نائبه صدام حسين، الذي نُصِّب رئيسا لجمهورية العراق من 1968 إلى 1979 واحتل صدام حسين مكانه. وقد قام الأخير بسلسلة من عمليات الاغتيالات لعدد كبير من قادة حزب البعث المنافسين له.
- بعد احتلال العراق من قبل القوات الأمريكية عام 2003 تم شنق صدام حسين - واحد من أكثر الحكام العرب سفالةً في التاريخ المعاصر. ولن يوازيه في سفالته غير معمر القذافي.
غير أن القائمة لم تنته:
ومن الملوك الذين تم اغتيالهم الملك عبد الله الأول مؤسس مملكة الأردن والملك فيصل، العاهل السعودي الثالث. كما وقتل وصفي التل- رئيس وزراء أردني.
وقد قُتل الرؤساء اليمينيون إبراهيم بن محمد الحمدي أحمد حسين الغشمي، الرئيس الرابع لجمهورية اليمن وعلي عبد الله صالح والرئيس الجزائري محمد بوضياف. وفي لبنان تم اغتيال رياض الصلح - رئيس وزراء لبناني ورشيد كرامي- رئيس وزراء لبناني ومن ثم تم الرئيسين اللبنانيين بشير الجميل ورينيه معوض. كما وتم اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري.
وفي مصر تم اغتيال محمود فهمي النقراشي - رئيس وزراء ؛ ؛ بطرس غالي - رئيس وزراء؛ أحمد ماهر باشا - رئيس وزراء. وإذا ما تغيب الأدلة على فرضية موت جمال عبد الناصر مسموماً فإن اغتيال السادات كان عرضاً عسكرياً لا يليق إلا به أمام كاميرات التلفزيون وأنظار الملايين من المشاهدين.
صورة تذكارية لبعض الشباب الطغاة العرب المرحين – جامعة السخف العربية
[صورة تذكارية لبعض الشباب الطغاة المرحين – جامعة السخف العربية]

أما معمر القذافي فقد قتل بهمجية لا تليق إلا بهمجيته. كما لم ينجُ من القتل علي صويلح - رئيس جزر القمر.
هذا جزء بسيط من ثقافة الاغتيال العربية الإسلامية. فهناك العشرات من السياسيين والمثقفين المعارضين والعشرات من أعضاء الحزب المنافسين (كما حدث في حزب البعث العراقي والسوري)، والكثير من حالات الموت الغامضة والكثير من الخلافات العائلية في السلطة الحاكمة التي تنتهي بتصفية المنافسين.
6.
قد يعترض البعض على أن الاغتيالات ليست تراث إسلامي فقط.
وأنا أتفق مع هذا الاعتراض.
لكنني لا أتحدث عن "الاغتيالات" بصورة عامة (فهذا موضوع سأتطرق إليه في مقال آخر). لقد تحدثت في الجزء الثاني من هذا المقال وفي هذا الجزء عن طبيعة السلطة المطلقة العربية/الإسلامية منذ نشأة الإسلام حتى الآن وسعيت إلى البرهنة على أن الوجه الآخر لسلطات القمع للخلفاء والملوك والأمراء والرؤساء العرب هو تصفية الحكام الممثلين لهذا السلطات جسدياً. وإن هذين الوجهين كانا متلازمين ولا يزالان حتى اللحظة الراهنة.
والاغتيال السياسي أينما كان هو الوجه الآخر للسلطة الشاملة القمعية وغياب الديموقراطية وانهيار سلطة القانون. ولم يكن الدين يوماً (ومهما كانت العقيدة الدينية) عاملاً كابحاً للاغتيالات. بل أن الدين كان دائماً عاملاً فاعلاً في هذه الاغتيالات. فـ"الحق الإلهي" الذي يدعي امتلاكه المتدينون يسوغ عمليات الاغتيال مدافعين عن "قضية الله" المقدسة. وهذا ما قام به المسلمون منذ ظهورالإسلام ولا يزالون يقومون به – أو أنهم على استعداد للقيام به إن توفرت الفرصة إلى ذلك. وقد قدمت فرق "الحشاشين" الاسماعيلية المثال النموذجي على ثقافة الاغتيال ضد المعادين والمخالفين سعياً إلى السلطة - والسلطة فقط.


جذور الثقافة الدينية القمعية للدولة العربية [2]: تاريخ الاستحواذ على السلطة

كلُّ سُلْطة مُفْسِدةٌ- أمَّا السُّلْطَةُ المُطْلقة فهي مُفْسِدٌة بصورة مُطْلقة!

1.
إن تاريخ الدولة العربية (وهي إسلامية العقيدة منذ اللحظة الأولى لظهورها) وحتى اللحظة الراهنة هو تاريخ للقمع والاستحواذ الشامل على السلطة.
فثقافة "السلطة المطلقة" هي ثقافة ذات جذور دينية في التاريخ العربي - الإسلامي.
2.
يقول لنا التاريخ الحقيقي (وليس التاريخ الأدبي للإسلام) بأنه ما خلت سلطة عربية/ إسلامية من القمع الرسمي للمعارضين سياسياً وللمختلفين دينياً. وأن ثقافة القمع التي يمارسها "أصحاب السلطة" والخاضعين لهذه السلطة أرسى "تقاليد" الاغتيالات وهذا ما تكشف عنه قائمة الاغتيالات الطويلة لرؤوس السلطة.
3.
يسرد الكتَّاب المسلمون عدة محاولات اغتيال لمحمد. بل أن موته مسموماً من الاحتمالات الشائعة في كتب المسلمين. وهذا ما يتعلق أيضاً بموت أبي بكر. فموته مسموماً هو من الأخبار التي تناقلتها الكتب الإسلامية.
ومن أجل إبعاد الشبهات عن مسؤولية المسلمين في تسميم محمد وأبي بكر فقد قرر "الرواة" تلفيق "حدوتات" عن مسؤولية اليهود في هذه الاغتيالات.
ومن "الطريف" - إذا كان في الأمر متسعاً من الطرافة، هو أن طريقة اغتيال أبي بكر تكرار ممل لطريقة اغتيال محمد!
وإذا كانت أخبار هذين الاغتيالين من الأخبار التي لم تحظ بــ"الإجماع" فإن اغتيال عمر وعثمان وعلي قد "أجمع" هواة الإجماع عليها!
إذ قتل عمر بن الخطاب بخنجر أَبي لُؤْلُؤَةَ؛ وعثمان بن عفان قتل بهمجية بسيوف "المسلمين" الغاضبين؛ ولم يخرج علي بن أبي طالب بموته عن التقاليد الإسلامية. فقد قتل بسيف عبد الرحمن بن ملجم في أثناء الصلاة أمام مئات الناس من أنصاره.
وبعد تصفية "الخلفاء" الذين كانوا أبعد عن الرشد فإن خلفهم من "الخلفاء" لم ينجُ منهم الكثير:
فقد قتل عبد الله وطلحة بن الزبير في حروبهما مع يزيد بن معاوية ومن ثمن عبد الملك بن مروان؛ مروان بن الحكم : يقال أن امرأته خنقته بمخدة؛ عمر بن عبد العزيز : يُعتقد أنه مات مسموماً؛ الوليد بن يزيد - قطّع بالسيوف؛ إبراهيم بن الوليد: مات غرقاً؛ مروان بن محمد - قتل بالسيف؛ السفاح :قيل سمَّ ولم يصح، وقيل مات بالجدري؛ المهدي: مات مسموماً؛ الهادي: دفع بعض جلسائه الى جرف النهر على سبيل اللعب فتعلق المدفوع به، فماتا كلاهما لأن الهادي وقع على أصول قصب [فارسي] قد قطّع فدخل في مخرجه فكان سبب موته، الهادي مات مسموماً (وثمة من يعتقد بأنه مات خنقاً) من قبل أمه الخيزران لأنه قرر جعل ولاية العهد لولده جعفر وخلع هارون الرشيد من ولاية العهد؛ هارون الرشيد: يقال أنه مات بسبب علاج خاطئ من طبيبه؛ الأمين: قتل بالسيف؛ المتوكل قطّع بالسيوف ؛ المنتصر: يعتقد أنه مات مسموماً؛ المستعين: قتل بالسيف؛ المعتز: أدخل في الحمام وأغلق [عليه] حتى مات؛ المهتدي : قتل بخنجر؛ المعتمد: يعتقد بأنه مات مسموماً، وقيل وقع في حفرة ملئت بالريش فاغتّم ، فمات؛ المقتدر: قطع بالسيوف؛ المنذر : قيل سمّه أخوه في مبضع؛ هشام المؤيد : قتل خنقاً؛ المهدي: قطع بالسيف؛ سليمان بن الحكم: قطع بالسيوف ؛ المستظهر: قتل بالسيف؛ المستكفي: مات مسموماً؛ القاسم بن حمود: مات خنقاً[ثامن خلفاء الأندلس، وثاني حكام بني حمود]؛ علي بن حمود: قتل بالخناجر.[ الناصر لدين الله أبو الحسن علي بن حمود -سادس خلفاء الأندلس، وأول حكام بني حمود،]؛ يحيى بن علي بن حمود: قتل بالسيف؛ حسن بن يحيى بن علي بن حمود: مات مسموماً . ..
والقائمة لم تنه لا آنذاك ولا الآن!
4.
وإذا ما قرر المؤمنون اختيار منطق المغالطات التاريخية كعادتهم وإن يخدعوا أنفسهم بخرافات العدالة الإسلامية وأن يختلقوا ما شاءوا من الاستثناءات كالخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز مثلاً بالنسبة للسُّنة – وهو أمر سيرفضه الشيعة من غير شك أو تردد، واضعين خلافة علي ابن أبي طالب فوق الجميع وفوق النقد والشبهات – فهو المعصوم الأول، فإن تاريخ حكم السنة والشيعة (الدول الفاطمية) الرسمي يقول لنا عكس ذلك.
5
فكيف حدث هذا؟
ما هي جذور ثقافة القمع التي تحملها الدولة العربية عميقاً في كيانها التاريخي؟
مهما حاولنا التغاضي عن الحقائق، ومهما سعينا إلى تلميع صفحة الإسلام وتبرأته مما حدث ويحدث الآن، فإنه هو العامل الحاسم والداخلي لظهور ثقافة السلطة المطلقة – وكل ثقافة مطلقة هي ثقافة قمع.
لكن نظام السلطة المطلقة (الذي بدأ بنظام الخلافة) في الإسلام له خصائص تميزه عن باقي أنظمة السلطة المطلقة الأخرى.
إذا ما أخذنا التاريخ الأدبي للإسلام وقرأناه بتأنٍ ومن غير قدسية فإنَّ أول شكل للدولة ورغم تخلفه قد ارتبط بالمكانة اللاهوتية للحاكم. والبداية كانت ما يسمى بالخلافة.
وقد أرست المكانة التي منحها المسلمون للخليفة أُسُس البنية المطلقة والمقدسة للحكومة العربية المعاصرة.
أما ما يقوله المسلمون عن "الشورى" و"العدل" و"حكم القانون" وغيرها فهي محض خرافات.
فسلطة الحكم الإسلامي تستند إلى عدة أسس هيكلية لا تقبل المساومة تحدد دكتاتورية هويتها الأساسية:
أولاً، الإسلام دين الدولة. وإن هذه المكانة المتميزة للإسلام ليست اختياراً. فـ"الدين عند الله هو الإسلام"، وكما جاء في تفسير ابن كثير:
"إن الدين عند الله الإسلام) إخبار من الله تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام، وهو اتباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين، حتى ختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم، الذي سد جميع الطرق إليه إلا من جهة محمد صلى الله عليه وسلم، فمن لقي الله بعد بعثته محمدا صلى الله عليه وسلم بدين على غير شريعته، فليس بمتقبل. كما قال تعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه [وهو في الآخرة من الخاسرين]) [آل عمران: 85] وقال في هذه الآية مخبرا بانحصار الدين المتقبل عنده في الإسلام: (إن الدين عند الله الإسلام).
ثانياً، الإسلام هو دستور الدولة. وهذا يعني أن الشريعة مصدر أساسي للتشريع.
ثالثاً، إن إطاعة الحاكم فرض ديني تم تشريعه في القرآن:
"يأيها الذين آمنو أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم"
وهذه شروط "ذهبية" لظهور الطاغية!
6.
فمن هو الخليفة؟
"فالخلافة أو الإمامة أو الإمارة هي خلافة عن النبي (ص) في حراسة الدين والدنيا وذلك بحمل الناس على مقتضى النظر الشرعي وهي من أصول الدين إذا أريد بها تحكيم شريعة الله وهي من فروعه إذا أريد بها النظام السياسي كوسيلة لتحكيم شرع الله"*
والخليفة هو الإمام الأكبر ورئيس الدولة وولي الأمر، وطاعته واجبة بهذه الآية ومن ثم فوجوده واجب وبيعته واجبة لأن البيعة عي عهد الطاعة وتنفيذ شرع الله *
إذن، الخلافة حكم ديني والخليفة حاكم يخلف محمد – فهو يحمل مكانته ويكتسب هيبته.
"وفي الحكم المدني يكون الحاكم شخصاً غير معصوم ولا مقدس، بينما يكون في الحكم الديني معصوماً مقدساً، ولو كان ذلك بحكم الواقع De facto خلافاً لحكم الدين. وفي الحكم المدني يكون أمر الحاكم أو قضاؤه غير معصوم ولا مقدس، بينما يكون – هذا وذاك – في الحكم الديني معصوماً مقدساً، وإن كان ذلك بحكم الواقع De facto** خلافاً لحكم الشرع"** "وبالتالي فإن حكم الدين – باعتباره وجود حكم ديني – يكون بإنشاء أمة أو أمم أو نصب رياسة أو رياسات، لكنه لا يكون بتحديد شكل الرياسة في نظام بذاته هو الخلافة الإسلامية أو غيرها. وقد بدأت الخلافة الإسلامية – بهذا المفهوم المحدد – مجرد رياسة للجماعة التي كانت قد تكونت في وقتها. وكان الرئيس خالفاً للنبي (أي يليه في الوقت ولا يرث حقوقه) ثم انزلقت الخلافة إلى أحداث وتعبيرات انحدرت بها إلى أن أصبحت نظاماً دينياً، خلافاً لحكم الدين وحكم الشرع. فلقد صار الخالف للنبي خليفة للرسول، ثم خليفة الله، ونور الله، وظل الله: وهي صفات تفاعلت مع الواقع وأثرت فيه فجعلت من الخليفة شخصاً معصوماً لا يحاسب، مقدساً لا يساءل"**
"فما دام الخليفة مختاراً من الله، وما دام قوله قول الله وفعله هو فعل الله وحكمه هو حكم الله، فلا مجال لأي فكر سياسي ينظم طريقة اختيار الخليفة، ونظام عمله، وحقوقه والتزاماته، وكيفية عزله . . وهكذا. كذلك لا يمكن – بطريقة جدية غير نظرية – وبأسلوب فعلي غير جدلي – تنظيم حقوق المواطنين والتزاماتهم العامة (وربما الخاصة)؛ إذ لا يوجد لأي فرد كائناً من كان حق أمام الخليفة، وليس على الخليفة أي التزام قبل أي شخص، لأن الناس جميعاً عبيد له وإماء لحضرته، أرواحهم ملكه يزهقها حين يريد، وأموالهم له يستبيحها كيفا يرى"**

هوامش:
*الخلافة والخلفاء الراشدون بين الشورى والديموقراطية، المستشار سالم البهنساوي، القاهرة 1991 الصفحات 75 و85 على التوالي
** الخلافة الإسلامية، المستشار محمد سعيد العشماوي، القاهرة 1992، الصفحات 22 و23 و25 على التوالي
*** De iure وDe facto مصطلحان لاتينيان يعنيان على التوالي بحكم القانون وبحكم الواقع – أي بحكم الأمر الواقع.

للمقال بقية . . . .

أحدث المقالات:

كتاب: حكاية الحمار العجيبة الذي قرر أن يكون مؤذناً!

المواضيع الأكثر قراءة:

◄ أربعة مقالات حول: خرافة "الرحمة" في الإسلام!

هل كان آينشتاين مؤمناً؟

مقالات عن الشيعة: اساطير التاريخ وأوهام الحاضر