‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص. إظهار كافة الرسائل

حكاية الحمار العجيبة الذي قرر أن يكون مؤذناً [6]: الهجوم

الحمار بانتظار العاصفة

[1] 

المؤتمر الصحفي لرئيس الجمهورية:

على صعيد آخر [كما يقول مذيعو الأخبار العربية وغالباً ما لا توجد أية علاقة ما بين "الصعيدين"] وبعد يومين طويلين وثقيلين من المباحثات والتداول والتشاور وتبادل الآراء مع مستشاريه قرر الرئيس(1) عقد مؤتمر صحفي مرتجل على الطريقة الأمريكية "briefing" حتى يقول للناس رأيه في موضوع الحمار [وسائل الأعلام الرسمية لا تذكر اسم الحمار. إذ غالباً ما تكون صياغة الخبر كالتالي: "رأيه في الموضوع". والحرُّ تكفيه الإشارة!]. كانت القاعة المخصصة للمؤتمرات تغص بكاميرات وميكروفونات محطات الإذاعة والتلفزيون المحلية والعربية والعالمية ووكالة أنباء كوريا الشمالية ومراسل جزر القمر وممثل عن المركز الصحفي لقرية الحمار " Donkey village" ويشغل في نفس الوقت منصب مستشار العلاقات الخارجية لمختار القرية(2)، أما الصحفيون فقد كانوا يترقبون ظهور الرئيس وهم يرتجفون من الخوف [إحدى مراسلات التلفزيون الرسمي كانت بحاجة إلى الذهاب إلى "بيت الأدب" أكثر من مرة بسبب الخوف!].

[2]

كان الجو متوتراً ومشحوناً بالكثير من الأسئلة التي رفض الكثير من المسؤولين الإجابة عليها. حتى "الحاج" وزير الأوقاف قد اعتذر عن الإجابة على أسئلة الإعلام الرسمي، المهتمين بنقل الحقائق "المُرْضية" و"المفيدة" للحكومة، متحججاً بأنه قد عاد لتوه من العُمرة وهو بحاجة إلى التعرف على "حيثيات" القضية. وقد ظل يردد طوال الأيام التي سبقت المؤتمر الصحفي لسيادة الأب القائد:

-" يا أخوة، الحيثيات مهمة، بدون حيثيات لا يوجد أي شيء، الحيثيات . . الحيثيات أهم شيء".

[3]

أما هيئة الإفتاء الوطنية [أو القومية] والتي لا تهتم كثيراً بالحيثيات وبعد صمت دام أكثر من أسبوع قررت الكلام ممثلة بالشيخ المَفْتُون [هكذا كان اسمه، ولا أحد يعرف بمن أو بما هو مَفْتُوٌن!]، وهو مسؤول الإعلام الخارجي [هل يوجد مسؤول للإعلام الداخلي؟]، الذي قرأ أمام الصحفيين وبصوت كئيب خال من أية حياة [من المؤكد أنه قد تدرب عليه طويلاً]بياناً رسمياً مقتضباً ما يلي نصه:

"الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء محمد، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين. أما بعد:

فبناء على قرار من سماحة رئيس الهيئة رقم:  

[ألمص طسم ف35258097889674476628090262] وبتاريخ6/9/2009 وبناءً على مستجدات أمور الدين سيتم عقد دورة طارئة لمجلس هيئة كبار العلماء في موضوع الحمار.

وقد أعدت اللجنة الدائمة بحثاً في ذلك يتضمن أمرين:

الأول: تعريف وبيان أسس وأنواع وأركان الأذان، وحكم المؤذن من غير جنس البشر سواء كان حماراً داجناً أو وحشياً، والاطلاع على الحكم عليه بالإباحة أو المنع.

الثاني: ذكر خلاف الباحثين في حكمه وأدلة كل فريق منهم مع المناقشة.

وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه".

[4]

في قاعة المؤتمرات [تحرص أغلب حكومات العرب على بناء قاعات المؤتمرات استلهاما للتراث العربي على شكل خيمة تسميها القطة المرقطة: حدبة البعير!] طال انتظار الصحفيين وفي لحظة ما بدا وكأن المؤتمر الصحفي قد تم إلغاءه وقرر البعض مغادرة القاعة فسمع الجميع جلبة قادمة من مكان ما ثم ظهر أفراد الحماية الذين تجاوز عددهم ضعفي الصحفيين المتواجدين في القاعة وسرعان ما ظهر وزير الداخلية مغموماً متثاقلاً يزحف على الأرض زحفاً، وقد أرسله رئيس الجمهورية حتى يورطه. فلعل لسانه يزلُّ ويجد حجة لإقالته. لأنه هو السبب لكل هذه الضجة. إذ كان عليه أن يلقي القبض على الحمار قبل أن تستفحل الأمور ويعرف جميع أولياء الأمور!

 وقف وزير الداخلية خلف المنصة [لم يظهر من الوزير القصير إلا رأسه وأوداجه المنتفخة والمتوترة] وبعد أن جال بنظره في أرجاء القاعة بنظرات لا معنى لها ولا هدف قرر الكلام قائلاً:

"بسم الله الرحيم. باختصار، الكل يعرف قضية ... هذا، المؤذن ... . المهم.  هذا الحمار، أو أي شيء آخر، الموضوع واضح جداً. الدولة في الوقت الحاضر لا تستطيع التدخل في الموضوع. لحد الآن ليست لدينا أدلة عقلية ولا حسية. . .   ما علاقتنا بالموضوع؟ اتصل سيادة الرئيس بسماحة رئيس هيئة الإفتاء القومي وشرح موقفه من القضية ورجا سيادتُه سماحة المفتي بالتفضل بإبداء الرأي. وقد وعده خيراً. فـ .. فهذا، أنتم تعرفون للحمار تاريخ ملتبس وعليه الكثير من علامات الاستفهام، هو مؤذن في جامع صغير، ولا أعرف لماذا عملتم ضجة؟ سوف نتدخل إذا طلبت المرجعية ذلك. هذا واضح للجميع. فالحمار، لا أعرف ما اسمه، قام بحماقة كبيرة، كما قلت هذه ليست أول حماقة، له سوابق، عنده آراء متطرفة والرئيس ضد تطرف الحمير، هل هو حمار أم فقيه؟ إذا تحول الحمير إلى فقهاء فماذا نفعل إذن بالفقهاء؟! لماذا لا يتناول علفه ويحمد الله على توفر العلف بدلاً من الكلام حول موضوعات لا تخصه؟ لا أعرف. نحن ننتظر مجريات الأحداث. هذا كل ما عندي".

فأخذ الصحفيون يتصايحون ويتسابقون للحصول على أسبقية طرح السؤال الأول. فأشار الوزير إلى ممثل التلفزيون الرسمي (طبعاً).

- سيادة الوزير، الموضوع جِديٌّ . .

فقاطعه الوزير بعصبية:

- وأنت من أين تعرف بأنه جِديٌّ؟ هل أنت تفهم أحسن من الحكومة؟

- لا، سيادة الوزير. ولكن صرَّح عَالِمٌ مسلمٌ بأن أذان الحمار هو السبب في سقوط مركبة فضائية على القمر!

سأل الصحفي مرتبكاً. فرفع الوزير يده لإسكات الصحفيين الذين أخذوا يتصايحون طالبين طرح الأسئلة:

-"هذه مبالغة مُغْرضة، أكيد نشرتها CNN . كيف وصل صوت الحمار إلى القمر؟ هل هذا معقول؟ هل سمعه أحد هناك؟ هذه مبالغة لا معنى لها. سوف تقوم اللجنة الفقهية التابعة للحكومة بدراسة الموضوع بالتفصيل. وبعد ذلك سننظر بقضية هذا الحمار. ما اسمه؟ لا أقصد الحمار الأول، بل العَالِم المسلم؟ لماذا لا يتفرغ للصلاة كما يفعل جميع المسلمين؟ سنرى قضيته فيما بعد".

ثم غادر مثلما جاء محاطاً بعشرات من رجال الحماية وشرب الصحفيون ماء بارداً كما يقول المثل!

أما ما يتعلق بمراسلي محطة CNN فقد قرروا مغادرة القاعة والبلاد والشرق الأوسط على عجل!

[5]

هجوم كتائب  الصاعقة  الحكومية وقوات التدخل السريع:

ازدادت الأحداث في بيت الحمار توتراً ودرامية.

فبينما كان المؤتمر الصحفي لرئيس الجمهورية [ هذه لغة عربية: مؤتمر رئيس الجمهورية الذي مثله وزير الداخلية!] لا يزال جارياً داهمت مجموعة من أفراد الشرطة وكتائب الصاعقة ووحدة مكافحة الإرهاب وقوات المشاة وقوات التدخل السريع وهيئة الأخلاق التابعة لقسم العلاقات الخارجية في هيئة الإفتاء ومسؤول العمل الحربي في وزارة الأوقاف والقطة المرقطة [في الحقيقة لم يكن لحضور القطة المرقطة طابعاً رسيماً.  فقد تسللت بصورة غير قانونية] بيت الحمار وقاموا بتفتيش جميع أنحاء البيت، بل وحتى علف الحمار.

الأمر الغريب هو أنهم لم يكونوا يبحثون عن الحمار. فقد كان حضرته في المعلف يراقب أفراد الشرطة بمشاعر خليطة من الاستغراب واللا أبالية واللااكتراث [فهو لا مكترث].

وكما يبدو فإن أفرد الشرطة كانوا يبحثون عن شيء آخر أكثر أهمية من الحمار، وثائق ومستندات سرية أو منشورات سياسية أو أدبيات أجنبية لها علاقة بوكالة الاستخبارات الأمريكية أو وثائق تعود للمخابرات السويدية مثلاً تنادي بالإطاحة بالحكومة بصورة صريحة أو رمزية أو مجازية. لكنهم لم يعثروا على شيء من هذا القبيل. كل ما عثروا عليه هو غلاف مجلة أسبوعية قديمة تظهر عليه فتاة جميلة تأكل وجبة طعام ماكدونالد.

طبعاً، لا أحد يعرف لماذا يحتفظ الحمار بغلاف المجلة هذا - هل من أجل صورة الفتاة أم من أجل سندويش المكدونالد، الله أعلم!

ومع ذلك ورغم أنهم لم يعثروا على "أدبيات ممنوعة" فقد قرر أفراد الشرطة مصادرة غلاف المجلة لغرض التحقيقات وكمستندات فوتوغرافية مادية وكبراهين حسية على الانحلال الخلقي والاغتراب الروحي ومخالفة الشرع وتقاليد المجتمع للحمار بتناوله لحم الخنزير أو أي لحم محرم.

[6]

كانت زوجة الحمار قد وصلت لتوها من اجتماع القرية بصحبة الحمار الوسيم[ابن الجيران] وحالما رأت قوات الشرطة أخذت تولول [لا أعرف كيف تولول الأتان، ولكن هذا ما قالته لي القطة المرقطة "إنها تولول"] وتبكي ولا تعرف ماذا تفعل. فالشرطة لم تعتقل الحمار، بل حتى لم يسأل أحد عنه. وظل صاحبنا يجلس في "غرفة العلف" مطأطئ الرأس وعندما سأل أحد أفراد الشرطة زوجة الحمار "هل هذا هو الحمار المعني" أجابت وهي تنحب:

-  وهل ترى حماراً آخر غيره!

غادر أفراد الشرطة البيت تاركين المسكينة [زوجة الحمار] تبكي وتنحب نادبة حظها النحس.

[7]

في المعلف واصل الحمار تأمله وهو يراقب الضوء المتسلل من ثقب في السقف. .
الآن أخذ شعاع الضوء يسقط تماماً على رأس الحمار. فكان النور يشكل هالة حول رأسه فيبدو الحمار مهيباً وجميلاً. بل حتى كأنه لم يكن حماراً في يوم ما! فرغم علامات القلق والإجهاد الفكري، فأن ملامح كاريزمية روحية مؤثرة كانت تظهر على وجهه الكريم!
كان يتأمل ويفكر، لكنه لم يكن خائفاً قطُّ.
اقتربتْ منه زوجته بوجل ومازالت الدموع تنهمر من عينيها وسألته بشيء من الرجاء والحسرة:
- لماذا فعلت هذا يا "رجل"! أرجوك أخبرني لعلي أستطيع مساعدتك؟
- لم يكن أمامي حلٌّ آخر!
- هل أنت تمزح؟ كيف؟ أمامك آلاف الحلول ولم تختر إلا هذا الحل؟
- إنَّا لم نختره، لقد فرضه رب العالمين علينا ولم يعد أمامنا غير التحدي!
رد الحمار بصوت الواثق من قضيته. حينئذ مسحت زوجته دموعها بأكمام جلبابها المتهرئ وانفجرت صارخة:
- هل حصل شيء في دماغك يا حمار يا ابن الحمار؟ بل هل عندك دماغ؟ هل تفهم ماذا تخرف؟ هل تريد أن تتحدى ربك؟
- هو الذي بدأ "والبادي أظلم"! لقد هدر كرامتنا لا لسبب إلا لكي يضرب بنا الأمثال!
رد الحمار بهدوء.
- وهل تعرف إلى أين ستأخذنا كرامتك المهدورة؟ إلى جنهم مباشرة. بل أن جهنم هي الآن هنا وسوف "تنخبط" على رأسك ورأس أبيك، هل تفهم كلامي يا "رجل"!؟ نحن حمير وأصواتنا نكرة فهل تغيرت الأحوال بأذانك؟
قالت زوجته منفعلة وهي تنظر إلى حمارها [أو زوجها، لا فرق].
- هذا موقف! العين بالعين و"الأذان" بــ"الأذان"!

قال الحمار وهو يبتسم لأول مرة وقد عجبته فكرة "العين بالعين والأذان بالأذان" وظهرت أسنانه البيضاء من تأثير التبن.

[ابتسامة نادرة] 


- هل أنت تُخرِّف؟

أطلقت زوجته صرخة مدوية، وهي تلطمه على رأسه بكل ما تملك من قوة:

- ها أنت قد فقدت ذرة العقل الوحيدة التي كانت في رأسك؟ هل تعرف المصير الذي ينتظرك؟ أنت قد فَتَلْتَ الحبل الذي سيعلقونك به على نفس العمود الذي يعلق عليه القصاب ذبائحه الفاسدة في مركز القرية وستظل معلقاً عليها حتى تتعفن جثتك ويدب فيها الدُّود! إنهم لا يعرفون الله فهل تريد أن يعرفونك؟!

إنَّا قررنا. هذا موقفنا! لا أحد يستطيع الهرب من مواقفه!

فقررت المرأة تركه هو ومواقفه المبدئية والجحيم الذاهب إليه وأخذت بعض المتاع والملابس وفرش الأسنان وَنادتْ حميرها الصغار وغادرت المنزل متجهة إلى معلف حمار الجيران الوسيم.

أما حمارنا فقد ظل وحيداً كما ولدَ في معلفه ينتظر نهايته المتوقعة وهو ينظر عبر النافذة بحثاً عن الأمل.

في وقت ما بعد الغروب سمع طرقات متواصلة على الباب وصوت جلبة وصياح، ثم سمع صوت تهشم خشب الباب الخارجي ووقع أقدام وهرولة في باحة البيت.

- ها قَدْ حانتِ السَّاعةُ، ليس في الأمر كذب أو إشَاعَة، أنها شناعة الشناعة، وعلي أن أحتمي بالشجاعة!

ردد الحمار مع نفسه.

وفجأة حلَّ الظلام . . .


هوامش:

(1) حسب المعلومات التي حصلت عليها من مصادر مختلفة فإن مسقط رأس رئيس الجمهورية هو قرية Donkey village. لكنه ينكر ذلك بحجة أن أمه كانت في زيارة لأبنة خالتها [زوجة القصاب الأولى التي ماتت أثر سقوطها من سطح البيت رغم عدم وجود سُلَّم يؤدي إليه!] وقد صادفت ولادتها هناك.

(2) وهو الملقب بـ "أبي الشباب" وابن أخت المختار وزوجة إمام الجامع الثالثة. ولكنه ليس ابن إمام الجامع بل من زوجها السابق. وهو يعمل في أكثر من مكان. أما من أهم الأماكن التي يعمل فيها فهي حسب أمين الشحات  إمام الجامع الأعور "ليس من مصلحة الوطن التعرف عليها!"

حكاية الحمار العجيبة الذي قرر أن يكون مؤذناً[7]: الاعتقال

الحمار برفقة القوات الخاصة بعد اعتقاله

[1]

        بعد سماع تهشم الباب الخارجي وتدفق أصوات عشرات الأقدام، ظهر أمامه رجال قوات الصاعقة وقوات العمليات الخاصة وقوات مكافحة الإرهاب وعشرات من أفراد الشرطة وقوات المشاة وقوات التدخل السريع والجميع مدججون برشاشات كلاشنكوف [AK 47]ومدافع الهاون. وأمام البيت كانت تقف منصات راجمات الصواريخ  وصواريخ كاتيوشا الروسية ومدافع الرشاش السويسرية [ APC9K].

 كان الجميع يصرخون بكلام خليط وهجين غير مفهوم وكأنَّ أفاعي قد لسعتهم في آن واحد:

- أين حمار الدار. . الحمار . . أين الحمار!

- أنا الحمار.

رد صاحبنا بهدوء وهو يحاول أن ينهض من معلفه.

- ما القضية يا أخوة!

لسنا أخوتك يا ابن الكلب! هيا تعال معنا!

- إلى أين يا أخوة؟

- لنأكل بقلاوة؟

قال أحد المسلحين الملثمين بسخرية ثم تقدموا نحوه وقيدوا يديه [هل هي يداه أم حافراه؟)] بسلسلة تلتف حول عنقه  وجرجروه من المعلف باتجاه باحة البيت.

- إلى أين ستأخذونني يا أخوة؟

- أنت فعلاً حمار! لسنا أخوتك يا ابن الكلب!

- لا تخف. كل شيء على ما يرام. إجراءات روتينية فقط. سوف نتحدث معك عند المختار وستعود إلى البيت بعد ساعة أو ساعتين إن شاء الله مع كيلوغرام من الموز!

قال آخر مبتسماً.

[2]

لكنه لم يرجع لا بعد ساعة ولا ساعتين – بل لم يرجع حتى بعد أيام.

صاحبنا راح من غير صياح ونياح ولن يعود مهما كانت العهود!

فالرتل العسكري الذي تجاوز العشرات من المركبات العسكرية المدرعة المضادة للصواريخ اخترق ساحة القرية باتجاه الطريق السريع المؤدي إلى غرفة العمليات في معسكر قوات الصاعقة. وفي لحظات معدودة اختفى الرتل عن الأنظار وكأن شيئاً لم يكن.

وعندما سأل أهلُ القرية المختارَ عن الموضوع أجاب كالأهبل:

- أي موضوع؟

- قوات الصاعقة والقوات الخاصة وقوات مكافحة الإرهاب؟

- هل تخرفون؟ هذي أضغاث أحلام يا مهابيل؟ هذا من تأثير مشاهدة الأفلام الأمريكية! سوف أقطع البث التلفزيوني والإنترنت والراديو حتى تتعلموا معنى الكلام! عودوا إلى بيوتكم ولا تتناقلوا الإشاعات!

وهذا هو كل ما حدث:

مجرد أوهام تحت تأثير مشاهدة الأفلام الأمريكية!

[3]

رغم قرارات الدولة وما بذلته من مساع كبيرة جداً[بل جبَّارة وهي مشكورة على ذلك] للتستر على "عملية" اعتقال الحمار السرية التي شاركت فيها الكثير من أجهزة الدولة الأمنية كالشرطة وقوات الصاعقة وقوات مكافحة الإرهاب والبوليس السري والحرس الجمهوري وقوات التدخل السريع وقد حضره قائد القوات الشمالية ورئيس محطة التعبئة الغازية ورئيس هيئة النزاهة في البرلمان وغيرهم، فإن العديد من محطات التلفزيون والصحف الأوربية والأمريكية [الحاقدة] والمنظمات اللاحكومية والبث المباشر لمحطة الصومال الفضائية  و"DW" و" CNN" و"BBC"  وإذاعة "صوت الله أكبر" السرية  كانت تعرف بما حدث وتمَّ نشر العديد من الصور التي تكشف عن تواجد هذه القوات في قرية الحمار [لصعوبة لفظ اسم القرية الحقيقي فقد أُطلق على القرية في وسائل الإعلام العالمية، وخاصة في الإنترنت، اسم " Donkey village"].

بل تسربت الكثير من التفصيلات عن وقائع الاعتقال التي رفضت وسائل الإعلام الرسمية أن تأخذها "مأخذ الجد" واعتبرتها جزءاً من "الحملة الشرسة" على الأمة العربية والإسلام والتقدم الحضاري والإنجازات العظيمة!

[4]

واستناداً إلى المعلومات "المسربة" [كما تقول القطة المرقطة] اتضح بأنه في الليلة السابقة على اعتقال الحمار قد عُقد اجتماع سري للغاية "!" في إحدى القصور الحكومية حضره كل من: رئيس الجمهورية ووزير الدفاع ورئيس هيئة الإفتاء الوطنية  ومسؤول العلاقات الخارجية في الهيئة ووزير الداخلية وقائد القوات المسلحة وقائد قوات الصاعقة وقائد قوات مكافحة الإرهاب وقائد قوات التدخل السريع شخصياً  وممثلون عن الإدارات المحلية لوزارة الداخلية ووزير الشباب واللجنة الأولمبية ومحافظ المدينة وأئمة الجوامع المحلية ومختار قرية الحمار Donkey village وبائع الحلويات في القرية وصاحب مطاعم "السعادة" في العاصمة ومدير المجاري العامة ورئيس مستشفى المجانين المركزي ومدير الإذاعة والتلفزيون وممثلون عن الهيئات والإدارات الحكومية ذات العلاقة!

كما وتسربت معلومات هامة عن مجريات "الاجتماع السري". إذ تشير هذه المعلومات بأنه قد حدثت مناقشات حامية و"ذات طابع علمي وفقهي رصين" وطُرحت "مقترحات معاصرة ومتطورة" تتعلق بقضية الحمار وكيفية اعتقاله بدون إثارة وسائل الإعلام العالمية والبث المباشر لمحطة تلفزيون جزر القمر الفضائية.
وقد طُلب من رئيس هيئة الإفتاء الوطنية [أو القومية] رأيه الفقهي بالموضوع وخصوصاً بما يتعلق بالسؤال التالي: 
هل يمكن شرعاً اعتقال حمار؟ وهل يمكن سجنه؟
[5]
وتشير المعلومات "المتسربة" [والعهدة على القطة المرقطة] أن رئيس هيئة الإفتاء وبعد مقدمة فقهية طويلة و"عميقة" جداً جداً، مما دفع البعض إلى" الغرقِ" في قِعْر غفوة لذيذة، وبعد أن عرض فيها الكثير من المستجدات في عالم الفقه والتفقه والصناعة قرر بأن ما قام به الحمار هو "بدعة" ما بعدها بدعة وإذا لم يُتخذ موقف حاسم وحازم وحاد وحدي (وصفات كثيرة تبدأ بحرف الحاء) فإن الأبواب ستفتح على مصراعيها أمام بدع أخطر وأسوء من شأنها أن تشكل خطراً على الدولة والعقيدة والإصلاح الزراعي. إذ ليس من البعيد أن تطالب القطط بحقوق دينية مثلاً!
إلا أن الجواب المتعلق بالموقف من الحمار كان من أعقد الموضوعات الفقهية "في العالم!". فقد أشار الفقيه إلى "أن أبدان الحمير والبغال طاهرة وهذا يعني بأنه لا حرج في أن تتواجد بيننا وفي السجون. كما اتفقت كل المذاهب على أنَّ قتل الحيوان غير محرم بدون إعطاء سبب فقهي واضح. وهذا هو فصل الكلام: السبب يا جماعة!
ولأنَّ السبب متوفر في حالة الحمار، وهو تشويه سمعة الدين وتعريض العقيدة لمخاطر كبيرة فإنه يجوز معاقبته حتى يكون عبرة لمن لم يعتبر"!
[6]
واستناداً إلى المعلومات المتسربة أو "المُسَرَّبة" [إنه لموضوع محير: كيف يمكن أن تتسرب المعلومات من غير أن يُسَرِّبَها أحد؟!]  بأن الحاضرين لم يناقشوا موضوعاً آخر غير موضوع الحمار. وفي نهاية الاجتماع تم إقرار الخطة المفصلة لاعتقال الحمار بصورة "سرية للغاية" ومن غير إثارة الرأي العام العالمي ومنظمات الرفق بالحيوان ومنظمة الطاقة الدولية. أو كما عبر عنه مدير الإذاعة والتلفزيون [وهو خريج "الحوزة في قُم"] بقوله:
- يجب اعتقاله بصورة "دَمِثَة" (ملاحظة من الكاتب: الدَّمَاثَة هي اللُطْفُ والرِّقَة)!
وقد ختم رئيس الجمهورية كالعادة، الاجتماع السري بقولة:
- "أيها السادة، لا نريد حماراً يُصبح شهيداً. فلدينا الكثير من الشهداء"!
وقد أجمع الحضور على أهمية هذا الموقف. فهو يعبر عن سياسة راشدة وحكيمة، فمن يريد حماراً شهيداً؟
وانتهى الاجتماع بنشيد "الله أكبر على المعتدي" والسلام الجمهوري!

[7] 

وكما اتضح فيما بعد وللجميع فإنه لم يبق من الاجتماع شيئاً سرياً [غير سعال رئيس الجمهورية من كثرة التدخين] ولا كان اعتقال الحمار هو الآخر سرياً "أو دَمِثَاً".

وقد شاعت أخبار الاجتماع والاعتقال ما بين الداني والقاصي. بل حتى القطة المرقطة من قرية الحمار التي تحدثنا عنها في يوم اجتماع القرية في الساحة المركزية كانت على اطلاع واسع بالموضوع وهي كانت من مصادر معلوماتي الرئيسية في كتابة وقائع قصة الحمار هذه وقد بعثت لي Message بالمعلومات المستجدة. طبعاً كان لديها اعتراض على عنوان الحكاية. ففي رأيها أنه كان من الحكمة واللياقة أن يكون العنوان: "حكاية الحمار والقطة المرقطة الذكية وأشياء أخرى"!

على أية حال، هذا موضوع جانبي ولا علاقة له بحكايتنا!

[8]

في اليوم التالي من تاريخ الاعتقال ساد في القرية جواً كئيباً وأصْبَحَ سكان القرية صبحهم، بشراً وكلاباً وقططاً وحميراً، بمزاج سوداوي جداً.

وقد ظلت الدكاكين والمقاهي مغلقة. ولم يذهب المزارعون كعادتهم إلى مزارعهم [كانوا يذهبون إلى المزارع في انتظار المطر!]. ولم تظهر زوجة المختار الصبية على عادتها على الشرفة المطلة على ساحة القرية الرئيسية حتى تكشف عن مفاتنها أمام المارة. بل لم ير أحد قطة أو كلباً يتمشى في شوارع القرية أو تتجمع أمام الدكاكين ومحلات القصابين لمناقشة أخبار القرية. الكائن الوحيد الذي تم مشاهدته من قبل القطة المرقطة هو شلحوت السريع[قنفذ إمام الجامع الذي يزوده بالأخبار] وقد مرَّ من أمام القطة المرقطة بسرعة حتى لم تتمكن من الاستفسار عن الأخبار.

أما الحمير فقد أضْرَبَتْ عن الطعام والكلام وعادة الاستماع إلى الراديو والرد على السلام.

باختصار: 

كانت القرية في حالة وجوم جماعي شامل. لكن ما هو مثير لاهتمام المؤرخ أو كاتب السير هو أنَّ لا أحد يعرف السبب الذي يختفي وراء هذا الإحساس الكئيب.

[9]

قد يتبادر إلى الذهن، لأول وهلة، بأن السبب هو اعتقال الحمار. ولكن لم يخطر الحمار مطلقاً على بالِ أحد من القرية.

فهي (أقصد village Donkey )، ولله الحمد، مليئة بالحمير. حتى أن نسبة الحمير إلى عدد السكان قد يصل إلى 1.33 حمار لكل واحد من سكان القرية. وهذا يعني بأن العائلة التي تتكون من خمسة أفراد تمتلك 6.65 من الحمير!

وهذا أمر غريب جداً. إذ أن زيادة الحمير على عدد السكان يجعل من القرية فعلاً وقولاً قرية الحمير village Donkey فما هو سبب هذا الحزن إذن؟

سؤال حلو!!!

[10]

الأحداث الغامضة:

بعد أن رفض الجميع التعاون معي على حل هذا اللغز حتى القطة الصغيرة التي رمقتني بنظرة غريبة قائلة:

- هل أنت مُخَبَّل!

ثم اختفت بلمح البصر.

وهكذا كان عليَّ أن أتأمل الوقائع التي حصلتْ في قرية الحمار والقرى الأخرى وأن أربط ما بينها وبين النتائج الممكن حدوثها [استناداً إلى معرفتي بديمقراطية النظام!] كما عليَّ أن "أغربل" المعلومات التي وفرتها لي القطة المرقطة وأدرس نتائجها، لكي أخرج بنتيجة هي أقرب إلى الواقع من مجرد فرضية محتملة. فرغم مصداقية ما نقلته لي القطة المرقطة فإنَّ فيها الكثير من الفراغات التي يجب ملؤها بسبب أسلوب القطة المختصر والمختزل والسريع.

في تلك المرحلة حدثت الكثير من الأحداث الغامضة:

اختفاء أكثر من شخص من سكان القرى الأخرى، لأنهم رفضوا الصلاة علناً؛ تعذيب إحدى القطط السلفية لأنها صلت وحدها "صلاة الجمعة" لأنَّها كانت تدعي بأن الصلاة وراء إمام الجماعة الحكومي باطل.

وقد اعتبر أحد أئمة الجوامع هذا التصرف مخالفاً للدين. لأن صلاة الجمعة، كما قال، هي صلاة جماعة، فكيف تصلي القطة وحدها؟!

وتساءل، وفي تساؤوله الكثير من الحق الصواب:

- هل هي جماعة؟

وعندما قال له أحد الحاضر بأن "الإمام مالك" امتنع عن الذهاب إلى الجامع ولم يصلي جماعة، أجابه إمام الجامع:

- وأنتَ مالَك!

وقد تعرض الكثير من الصحفيين إلى الاعتقال ومن أشهر الحالات هي قضية  أحد الصحفيين "المغرر بهم" من قبل أمريكا وإسرائيل والاستعمار البريطاني لأنه نشر وقائع تعذيب القطة في صفحته على الإنترنت.

وهكذا اختفى المسكين بعد حين وتم إغلاق الصفحة بالشمع الأحمر إلى إشعار آخر [يوجد لون أحمر على الصفحة الفارغة!]

[11]

قبل أسبوعين من اعتقال الحمار وقعت أحداث أخرى أكثر غرابة:

فقد ادعت الحكومة بأن سكان القرى، كما يبدو لها، قد أخذوا يتعاطون الكحول ويجب معاقبة المخالفين لشرع الله.

ومن ضمن الأحداث الغريبة هذه هو اختفاء إحدى القرى المجاورة!

بالضبط - لا يوجد خطأ مطبعي:

اختفاء قرية بكاملها من الجغرافية والتاريخ والمكان الذي كانت تتواجد فيه!

فهناك من ادعى بأنهم قد سافروا للسياحة!

ومنهم من قال بأن الدولة منحتهم شققاً في بنايات جديدة ملائمة لتربية الماعز!

وتسربت أخبار، ما تزال غير موثقة، بأنَّ أهل القرية راحوا "في خَبَرِ كانَ"!

وعندما سألت القطة المرقطة حول الموضوع، هزت رأسها كالعادة وعلى طريقة أبطال الأفلام الهندية قائلة: هل أنتَ من سكان المريخ يا أستاذ؟

وعندما سألتها ماذا تقصد ردت عليَّ كسياسي "محنك":

- بدون تعليق!

فما هو سبب هذا الوضع النفسي التي تمر به قرية الحمار ، وكما يبدو القرى الأخرى أيضاً؟

إنه الخوف من اقتراب الساعة!

لا - لا أقصد تلك "الساعة". أقصد "ساعتهم" الأرضية. فسكان القرية، ككل البشر على الأرض، لهم ذاكرتهم القروية التاريخية. وإن ذاكرتهم التاريخية وتجاربهم تقول لهم أن المصائب تبدأ هكذا:

تعذيب قطة هنا، واختفاء حمار هناك، ثم اختفاء قرية بأكملها!

فمتى سيأتي دورهم يا ترى؟!

[12]

   تقول آخر المعلومات [من مطلعين على مجريات الأمور في البلاد رفضوا ذكر أسماءهم] إن الحمار قد اقتيد إلى معتقل سري يقع في المنطقة الصناعية خارج المدينة لا يعرف أحدٌ حتى مِنْ سكان تلك المنطقة بوجوده. وعادة ما تقتاد الدولة إلى هناك المعتقلين الذين لا عودة لهم بعد اعتقالهم – أو أنَّ عودتهم مشكوك فيها بعض الشيء!

المسكين مطيع الغائب، الحمار، راح ضحية الدفاع عن حقوقه المدنية ضد الإرادة الإلهية!

كان عليه أن يعرف أنَّه في مملكة الظلام، والحديث في مملكة الظلام عن الحرية جريمة ما بعدها جريمة.

أما أخر ما كتبه الحمار في الإنستغرام فهي الجملة التالية:

"نحن اليوم هنا وغداً هناك!".

وقد أثارت هذه الجملة الكثير من التعليقات والتأويلات والتخمينات والتفسيرات في وسائل التواصل الاجتماعي. ولكن، للأسف، لم يحصل إجماعاً حول الدلالات العميقة التي تختفي خلف هذه الجملة!

فهل يعني الانتقال إلى دار الآخرة؟

أمْ إلى المعتقلات السرية التابعة لأمن الدولة؟

أمْ تلك المعتقلات التأديبية للمنظمات العقائدية؟

ولماذا، يا تُرى، اكتفى بهذه التعليق فقط؟

ألا يجوز أنْ يكون التعليق من قبل جهاز الأمن الذي استطاع اختراق [account] مطيع الغائب؟

وغيرها الكثير من الأسئلة المُحَيِّرة في زمان تحولت فيه الحِيرة إلى طريق عيش وأسلوب تفكير.

فأين يا تُرى يقبع الآن حمارنا؟

هذا هو السؤال!




حكاية الحمار العجيبة الذي قرر أن يكون مؤذناً [10]: الإغتيال

رأس الحمار فقط وهو يستلقي على الأرض


[1]
قرار الحُكْم:
لم يمض أكثر من أسبوع على جلسة المحكمة الأخيرة التي نظرت في قضية الحمار نشرت الصحف الحكومية الرسمية خبر إطلاق سراح الحمار بكفالة مالية قدرها 100000 دولار أمريكي وتعهد خطي بعدم التدخل في السياسة والامتناع عن مناقشة الأمور الدينية التي تمس الذات الإلهية وسمحت له بالصلاة خمس مرات في اليوم على شرط عدم حضور صلاة الجمعة.
وقد نشرت إحدى صحف الحكومة المستقلة صورة للحمار وهو يغادر سجن التحقيقات وقد قدم له أحد الشرطة باقة من أزهار الورد الأحمر بمناسبة إطلاق سراحه!
[2]
الحرية الوهمية:
عندما خرج صاحبنا من المعتقل ووطأت "أقدامه" أرض الشارع المبلط مرت بمحاذاته وكالصاروخ سيارة سوداء بدون رقم. فتسمر في مكانه متابعاً السيارة السوداء وهي تختفي عن أنظاره.
لم يولِ الأمر أية أهمية، على عادته، فقد كان مبتهجاً لخروجه من السجن. رفع رأسه عالياً وهو يستنشق هواء الصباح بمليء رئتيه.
فكر بزوجته وأطفاله. . .
كان الشوق إليهم يحرق قلبه فسالت الدموع من عينيه وأخذ ينحب بأعلى صوته [للأسف فهم المارة بكاءه بصورة مغلوطة. فهم كانوا يعتقدون بأنه ينهق!].
لم يكن يدرك ما الذي يحدث حوله.
ولأنه كان قادراً على التفكير والتأمل في أي نقطة من المكان والزمان فقد كان متسمراً في وسط الطريق قاطعاً السير حيث تشكل طابور طويل من السيارات التي ينتظر سائقوها أن يعبر صاحبنا الشارع ويحرر الطريق. فأسرع بعبور الشارع وكادت إحدى السيارات تدهسه وقد أخرج السائق رأسه من نافذة السيارة صارخاً بأدب "جمِّ":
- هيه يا حمار، هل هذا وقت الحمرنة؟!
- وهل تبقى شيء من الحمرة؟!
ردد صاحبنا مع نفسه ثم تنبه إلى باقة زهور الورد الأحمر التي كان يقبض عليها بأسنانه فرماها تحت قدميه وأنطلق باتجاه القرية.
[3]
لم تكن [Donkey village] كما كانت عليه قبل اعتقاله.
لقد تغير كل شيء. وكما تقول القطة المرقطة [نقلاً عن هيراقليطس]: "لن تنزل النهر مرتين".
إذ كل شيء يتغير .. كل شيء يتحول. لكن مشكلة هذه القرية المستحيلة التي لا وجود لها على خارطة العالم هي أنها تتغير باستمرار إلى الأسوأ حتى أنَّ الشعور باقتراب الكارثة يلفُّ الجميع.
تسلقت القطة المرقطة منارة جامع القرية الذي بني على عجل حتى يتم افتتاحه في يوم "المولد النبوي". وقد كانت على ثقة بأنَّ هذه المنارة سوف تتهاوى في يوم ما [وقد تهاوت فعلاً في لحظة تهاوي القرية بسكانها].
كانت القطة المرقطة شاهدة على تاريخ بناء المنارة ورأت "بأمِّ عينيها" كيف تم إنجازها من مواد البناء الرخيصة، مثلما كانت شاهدة على مطالب أمين الشحات إمام الجامع الأحول المستمرة أنْ يقتصد العمال باستخدام السمنت. فقد كان إمام الجامع الأحول يكره التبذير جداً حتى كان يتمنى أنْ يتم بناء المنارة من طين المستنقع الذي يحيط بالجامع. ولهذا فقد كان الجزء الأكبر من أموال التبرعات التي يقدمها مهابيل القرية لبناء الجامع تذهب بهدوء وسلاسة إلى جيب إمام الجامع بدلاً من تبذيرها في مواد تضر ولا تنفع كما يقول!
وحسب معلومات القطة المرقطة فإنَّ إمام الجامع قد بنى بيتين خلال السنتين الأخيرتين من أموال التبرعات. وقد حدث هذا بدعم وصمت المختار الذي شمله إمام الجامع ببعض الخيرات [شاحنة بيك آب [Pick-Up] كهدية تعبيراً عن الود والامتنان بمناسبة عيد الشجرة!].
[4]
ظلت القطة المرقطة تراقب القرية من أعلى نقطة في القرية بانتظار الكارثة.
وخلافاً لجميع سكان القرية من الناس والحمير والماعز والقطط والكلاب، فإنها كانت تسخر من عقولهم، التي تصفها بالفاسدة كبيض دجاج القرية من شدة ارتفاع درجة الحرارة. إذ أنَّ ولعهم بانتظار قرب ظهور صاحب الزمان وخروج الأعور الدجال لا يثير فيها غير مشاعر القرف والاستهزاء في آن واحد.
فالأعور الدجال هو في الجامع أمامهم كل يوم: يؤم صلاتهم ويسرق تبرعاتهم أمام عيونهم.
أما الشعور باقتراب الكارثة من قبل سكان القرية فهو الشعور الوحيد الذي تأخذه القطة مأخذ الجد. وهي تعرف من تجربتها الغنية بأنَّ كوارث القرية لا علاقة لها بـ"صاحب الزمان" وهي تعرف جيداً بأنَّ الزمان لا "صاحب" له غير الخرفان والماعز التي ترعى حول القرية من غير أن تكترث لا بالزمان ولا المكان. إذ يجدها الناس ترعى في كل زمان وفي كل مكان حتى في غرف نومهم وفي سقائف مطابخهم، وفي الجامع، وفي غرفة المدرسة الوحيدة.
[5]
الكارثة التي تنتظرها القطة المرقطة لـ Donkey village هو أنْ تبتلعها الأرض كما ابتلعت سكان القرية المجاورة ولم يعرف أحد مصيرهم. ولأنَّ للكوارث دائماً بدايات تمهد لها فإنَّ إطلاق سراح الحمار وكأنَّ شيئاً لم يكن هو إنذار بأن الكارثة قادمة.
وفي هذه اللحظة بالذات من تأملات القطة سمعت عدة إطلاقات مكتومة.
وعندما صعدت القطة على سياج المأذنة العالي لم تر شيئاً غير مشهد الحمار وهو يجرجر قائمتيه الخلفيتين بصعوبة ثم سقط على الأرض من غير حراك.
[6]
النهاية المحتومة:
بعد ساعات فقط من إطلاق سراحه عثر أهل القرية الذاهبون إلى أعمالهم على جثة الحمار ملقاة في وسط الساحة المركزية للقرية!
أول من عثر عليه كانت القطة المرقطة التي كانت شاهدة على مصرعه.
كان يبدو وكأنه نائم.
لا تبدو على وجهه آثار ألم أو أسى – بل يبدو وكأن ابتسامة سخرية تتسلل من فمه المغلق.
وعندما نزلت القطة المرقطة من المنارة، التي تهاوت حالما نزلت منها، اقتربت من جثة الحمار ولاحظت بوضوح ثمة حفرة في صدغه والدم لا يزال يسيل حتى شكل بركة حمراء تحت مطيع الغائب.
لقد أصبح واضحاً بالنسبة لها بأنَّ نهاية الحمار هي نهاية الجميع.
فالذي حدث مع مطيع لم يكن غير استهتار القرية بوجوده وتحميل آراءه أكثر مما تحتمل.
ولأول مرة شعرت القطة بالأسى وأنها تعيش في عالم لامعقول.
- هل يستحق الأمر كل هذا؟
تساءلت القطة بغضب شديد، لكنها لم تكن قادرة على أن تفعل أكثر من هذا. فتركت المكان وهي تسير على غير عادتها ببطء وتثاقل.
بعد هذا اليوم لم ير أحد من أهل القرية القطة المرقطة قطُّ.
أما هي فلم تسمع بعد ذلك اليوم بوجود القرية أيضاً!
[7]
لم يثر غياب القطة المرقطة اهتمام أحد. فكلُّ واحد من أهل القرية الآيلة إلى الانقراض كمنارة الجامع [الحمير والبشر والماعز والخرفان والكلاب والقطط] حائر بمصيره الكارثي الذي على قاب قوسين أو أدنى.
كانت لقضية مطيع الغائب نتائج خطيرة لم يكن يتوقع حدوثها أحد – بل وآخر ما كان يمكن أن يتوقعها هو نفسه.
هنا يكشف "تأثير الفراشة" لنظرية الفوضى عن كامل صورته ومعانيه.
فهذا "الحدث الصغير" الذي اعتادت الصحافة المحلية والعربية والعالمية باعتباره "قضية مطيع الغائب" قد أدى إلى أحْداثٍ وتحولات عاصفة في حياة البلاد.
لقد تحولت "قضية مطيع الغائب" إلى "إعصار مطيع الغائب".
والمدهش في الأمر هو أنَّ هذا "الإعصار" وربما لأول مرة في تاريخ الأعاصير الفتاكة يحمل اسماً مذكراً مخالفاً للمنطق الفقهي الإسلامي الذي يعتبر النساء مصدر المصائب!
إنه "إعصار مطيع"!
[8]
فإذا ما أخذنا بنظر الاعتبار إحالة وزير الداخلية على التقاعد ومصادرة سياراته العشر والدراجة الهوائية العائدة لحفيده الصغير؛ وطرد الناطق الرسمي باسم هيئة الإفتاء الوطنية [أو القومية] من الخدمة والبلاد في آن واحد؛ وتجميد عمل "وزارة الأوقاف" إلى إشعار آخر واستحداث وكالة جديدة تحت اسم "المطاردة الديموقراطية لأصحاب الرأي"؛ وغلق دار "سينما الوطن" لأنها عرضت قبل فلم "طرزان" الأخبار المحلية التي أشارت إلى "قضية مطيع الغائب"؛ وغلق مطعم "الأفراح" لأنه ابتكر سندويشاً جديداً تحت اسم "سندويش مطيع"؛ وغلق جميع الطرق الدولية والفرعية والتجارية المؤدية إلى " Donkey village " وإزالة مادة الأسفلت منها نهائياً؛ وإقالة أمين الشحات الأعور كإمام لجامع القرية وتعينه سفيراً للبلاد في الفاتيكان؛ وإلقاء القبض على جميع القطط في القرية واستجوابها حول المقر السري للقطة المرقطة [إذ يعتقد بأنها عميل سري للمخابرات السويدية].
فإنَّ "إعصار مطيع" قد أدى إلى نتائج اقل ما يقال عنها بـأنها كارثية على " Donkey village"!
[9]
إنَّ ما حدث في Donkey village قد خرج عن طاقة الجميع لا على تحمل المفاجأة بأنَّ يقوم حمار قروي بالتمرد على الإرادة الإلهية فقط بل وقد أثبت أنَّ عالمهم يتهاوى من الداخل من غير تدخل الاستعمار والامبريالية والصهيونية.
لقد كان الحمار مطيع الغائب واحداً منهم؛ ولم يكن غير أضعف الحلقات ومع ذلك فقد تمرد عليهم وعرضهم كما تفعل أجهزة العرض السينمائي أمام الجميع في وضح النهار وأجبرهم على ارتكاب أكبر الحماقات ووضع في قلب البلاد الفضيحة التاية:
اغتيال حمار بحجة الاعتراض على الإرادة الإلهية!
[10]
وهكذا فقد كان على الحكومة أنْ تقوم بما قامت به بصدد القرى الأخرى:
مسح Donkey village عن وجه الأرض وإلغاء واجتثاث أية آثار لها. إذ لم تكن أوامر الدولة ترحيل سكانها وتدميرها وإنما تدمير القرية بسكانها ومنع أي كائن حي من الخروج منها.
ولم ينجُ من المذبحة غير اثنين:
أنا والقطة المرقطة!






أحدث المقالات:

كتاب: حكاية الحمار العجيبة الذي قرر أن يكون مؤذناً!

المواضيع الأكثر قراءة:

◄ أربعة مقالات حول: خرافة "الرحمة" في الإسلام!

هل كان آينشتاين مؤمناً؟

مقالات عن الشيعة: اساطير التاريخ وأوهام الحاضر